سيد محمد طنطاوي

262

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم أرشدهم - سبحانه - إلى نوع آخر من الأدب السامي فقال : * ( وإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا ) * . والنشوز الارتفاع عن الأرض . يقال : نشز ينشز وينشز - من بابى نصر وضرب - إذا ارتفع من مكانه . أي : وإذا قبل لكم - أيها المؤمنون - انهضوا من أماكنكم ، للتوسعة على المقبلين عليكم ، فانهضوا ولا تتكاسلوا . وقوله : * ( يَرْفَعِ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ) * جواب الأمر في قوله : * ( فَانْشُزُوا ) * . وعطف « الذين أوتوا العلم » على « الذين آمنوا » من باب عطف الخاص على العام ، على سبيل التعظيم والتنويه بقدر العلماء . أي : وإذا قيل لكم ارتفعوا عن مواضعكم في المجالس فارتفعوا ، فإنكم إن تفعلوا ذلك ، يرفع اللَّه - تعالى - المؤمنين الصادقين منكم درجات عظيمة في الآخرة ، ويرفع العلماء منكم درجات أعظم وأكبر . ويرى بعضهم أن المراد بالموصولين واحد ، والعطف في الآية لتنزيل التغاير في الصفات ، منزلة التغاير في الذات . والمعنى : يرفع اللَّه الذين آمنوا العالمين درجات عظيمة لا يعلم مقدارها إلا اللَّه - تعالى - . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على شمول علمه فقال : * ( واللَّه بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) * . أي : واللَّه - تعالى - مطلع اطلاعا تاما على نواياكم ، وعلى ظواهركم وبواطنكم ، فاحذروا مخالفة أمره ، واتبعوا ما أرشدكم إليه من أدب وسلوك . هذا : ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : أن إفساح المؤمن لأخيه المؤمن في المجلس ، من الآداب الإسلامية التي ينبغي التحلي بها ، لأن هذا الفعل بجانب رفعه للدرجات فإنه سبب للتوادد والتعاطف والتراحم . قال القرطبي ما ملخصه : والصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير والأجر ، سواء أكان مجلس حرب ، أم ذكر ، أم مجلس يوم الجمعة . . . ولكن بدون أذى ،